الخطيب الشربيني

267

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تذهب هذه الأمّة حتى يلعن آخرها أوّلها » « 1 » أعاذنا الله تعالى ومحبينا من الأهواء المضلة وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا أي : ضغنا وحسدا وحقدا ، وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام لِلَّذِينَ آمَنُوا أي : أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته وقيدوا بالقلب لأنّ رذائل النفس قل أن تنفك ، وأنها إن كانت مع صحة القلب أو شك أن لا تؤثر رَبَّنَا أي : أيها المحسن إلينا بتعليم ما لم نكن نعلم ، وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ما يقولون بقولهم : إِنَّكَ رَؤُفٌ أي : راحم أشد الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير رَحِيمٌ مكرم غاية الإكرام لمن أردت ، ولو لم يكن له وصلة فأنت جدير بأن تجيبنا لأنا بين أن تكون لنا وصلة فنكون من أهل الرأفة ، أو لا فنكون من أهل الرحمة . فقد أفادت هذه الآية أن من كان في قلبه غلّ على أحد من الصحابة فليس ممن عنى الله تعالى بهذه الآية . وقرأ أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي بكسر الهمزة ، والباقون بمدها ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أي : تعلم علما هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى الخلق ، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى : إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا أي : أظهروا غير ما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم ، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه ، قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله ، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى : يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم اليهود من بني قريظة والنضير . والإخوان هم الأخوة ، وهي هنا تحتمل وجوها : أحدها : الأخوة في الآخرة لأنّ اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة . وثالثها : الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى اللّه عليه وسلم فقالوا لليهود : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ أي : من مخرجّ ما من المدينة لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ أي : منها وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أي في خذلانكم أَحَداً أي يريد خذلانكم من الرسول والمؤمنين . وأكدوا بقولهم : أَبَداً أي : ما دمنا نعيش ، وبمثل هذا العزم يستحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب وَإِنْ قُوتِلْتُمْ أي : من أي مقاتل كان يقاتلكم ولم تخرجوا لَنَنْصُرَنَّكُمْ أي : لنعيننكم ولنقاتلنّ معكم . ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكدا مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى : وَاللَّهُ أي : يقولون ذلك والحال أنّ المحيط بكل شيء قدرة وعلما يَشْهَدُ إِنَّهُمْ أي : المنافقين لَكاذِبُونَ أي : فيما قالوا ووعدوا ، وهذا من أعظم دلائل النبوّة لأنه إخبار بغيب بعيد عن العادة . ثم أخبر تعالى عن حال المنافقين بقوله تعالى : لَئِنْ أُخْرِجُوا أي : بنو النضير من أي مخرج كان لا يَخْرُجُونَ أي : المنافقون مَعَهُمْ أي : حمية لهم لأسباب يعلمها الله تعالى : وَلَئِنْ قُوتِلُوا أي : اليهود من أيّ مقاتل كان ، فكيف بأشجع الخلق وأعلمهم صلى اللّه عليه وسلم لا يَنْصُرُونَهُمْ أي : المنافقون . ولقد صدق الله تعالى وكذبوا في الأمرين معا القتال والإخراج لا نصروهم ولا خرجوا معهم

--> ( 1 ) أخرجه البغوي في تفسيره 5 / 61 .